سيد جمال الدين الحسيني الأفغاني ( اعداد سيد هادي خسرو شاهى )
320
خاطرات جمال الدين الحسيني الأفغاني ( آراء وأفكار )
يجب عليه ملاحظته في سيره هذا أن لا يأتي من أعماله بما يهتك هذا الستر الرقيق الذي يكفي لتمزيقه رجع البصر وكسر النظر وأن يتحاشى العنف مع أمة يشهد تاريخها بأنها إذا حنقت خنقت ، وليس له أن يغتر بعدم مكنتهم وهو يعلم أن الكلمة إذا تحدت لاتعوزها الوسائط ولا يعدم المتحدون قويا شديد البأس يساعدهم بما يلزمهم لترويج سياسته ، وأن المغيظ لا يبالي في الإيقاع بمناوئه أسلم أو عطب ، فهو يضر ليضر وإن مسه الضر . إلا أن غشية النهم ذهبت بعقول المنهومين ووقرت أسماعهم عن حسيس الهمسات المتراسلة من الهند إلى مكة إلى مصر والكرير الممتد من الأقاليم والممالك الإسلامية في الشرق وكلها تتلاقى بين تراقي المغرورين بقوتهم المسترسلين في جفوتهم . إن الرزايا التي حلت بأهم مواقع الشرق جددت الروابط ، وقاربت بين الأقطار المتباعدة بحدودها المتصلة بجامعة الاعتقاد بين ساكنيها ، فأيقظت أفكار العقلاء وحوَّلت أنظارهم لما سيكون من عاقبة أمرهم مع ملاحظة العلل التي أدت بهم إلى ما هم فيه ، فتقاربوا في النظر وتواصلوا في طلب الحق وعمدوا إلى معالجة علل الضعف راجين أن يسترجعوا بعض ما فقدوا من القوة ومؤملين أن تمهد لهم الحوادث سبيلا حسناً يسلكونه بوقاية الدين والشرف ، وإن في الحاضر لنهزة تغتنم وإليها بسطوا أكفهم ولا يخالونها تفوتهم ، ولئن فاتت فكم في الغيب من مثلها وإلى اللَّه عاقبة الأمور . * * * . . . أتى جمال الدين على بيان منهج « العروة الوثقى » وأعاذ ذكره لي عندما عزمت على اصدار جريدة « البيان » [ 1 ] في الأستانة عام ( 1311 ه 1893 م ) في الأستانة عام ( 1311 ه 1893 م ) وما
--> [ 1 ] - صدرت لنا الإرادة السنية إذ ذاك بإصدار جريدة عربية في الأستانة فأصدرناها باسم « البيان » وما كادت تنتشر وتصل إلى بعض أنحاء الشرق مثل الهند وتونس ومراكش والعراق وسوريا وغيرها حتى انهال طلب الاشتراك فيها من كل صوب وناحية ، مما أدهش المرحوم السلطان عبد الحميد وزاد في هواجسه ، وإذا بالإرادة السنية السلطانية تصدر بتعطيل الجريدة لأجل غير مسمى ! وقد علمنا أهم أسباب التعطيل وهي : إن أكبر الجواسيس مع أعوان له أخذوا يحللون كل كلمة وردت في الجريدة فعثروا على هذه الجملة : « من نوايانا الخدمة العامة والإخلاص . . . إلخ . والنيد سابقة العمل » . فدسوا على ما قيل لنا لأحد المرتبين في المطبعة أن يضع عوض كلمة « العمل » اليمن » فجاءت العبارة : « والنية سابقة اليمن » واستخلصوا من ذلك وأفهموا السلطان أننا بهذه الجريدة سنسعى أولًا لتحرير اليمن واستقلالها ! ثم نسعى لاستقلال البلاد العربية إلى آخر ما هنالك من الترهات ! وقد أثرت تلك الوشاية وتعطلت الجريدة فتأمل ! .